الشيخ محمد هادي معرفة
329
التفسير الأثرى الجامع
رأى إبراهيم هذا السرّ يقع بين يديه طيور فارقتها الحياة وتفرّقت أشلاؤها في أماكن متباعدة ، فتدبّ فيها الحياة مرّة أخرى ، وتعود إليه سعيا ! « 1 » * * * وخالفهم أبو مسلم المفسّر الشهير ، فقال : ليس في الكلام ما يدلّ على أنّه فعل ذلك ، وما كلّ أمر ، يقصد به الامتثال ؛ فإنّ من الخبر ما يأتي بصيغة الأمر ، لا سيّما إذا أريد زيادة البيان ، كما إذا سألك سائل كيف يصنع الحبر ؟ - مثلا - فتقول : خذ كذا وكذا وافعل به كذا وكذا ، يكن حبرا ! تريد أن تعلّمه كيفيّة صنعه ، ولا تريد تكليفه صنع الحبر بالفعل . قال : وفي القرآن كثير من الأمر الّذي يراد به الخبر ، والكلام هاهنا مثل لإحياء الموتى « 2 » . ومعناه : خذ أربعة من الطير ، فضمّها إليك وآنسها بك حتّى تأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك ، فإنّ الطيور من أشدّ الحيوان استعدادا لذلك . ثمّ اجعل كلّ واحد منها على مرتفع حولك ، ثمّ ادعهنّ ، فإنّهنّ يسرعن إليك ، لا يمنعها تفرّق أمكنتها وبعدها منك . كذلك أمر ربّك إذا أراد إحياء الموتى وحشرها يوم المعاد ، فإنّه يكفي أن يدعوهم للحضور لديه ، دعوة تكوين : « كونوا أحياء » ، فيكونون أحياء ويسرعون إليه حضورا لديه . كما كان شأن الخلق في بدء الأمر . إذ قال للسماوات والأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 3 » . قال محمّد عبده : هذا ما نجلّي به تفسير أبي مسلم ، وقد أورده الرازي مختصرا ؛ قال : والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة ، وأنكر - يعني أبا مسلم - أن يكون المراد قطع أعضائها ولحومها وريشها ودماءها ، وخلط بعضها مع بعض - كما يراه المفسّرون - وقال : إنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا طلب أن يريه كيف يحيي الموتى ؟ أراه اللّه تعالى مثالا قرّب به الأمر عليه . والمراد من قوله : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ الإمالة والتمرين على الإجابة بسبب الأنس به . أي عوّد الطيور على الإجابة ، بحيث إذا دعوتها لم تلبث أن أجابتك وأتتك بسرعة ، فإذا
--> ( 1 ) في ظلال القرآن 1 : 442 . ( 2 ) سيأتي عن ابن عبّاس قوله : إنّما هو مثل ، وكذا عن تلميذه مجاهد . ( 3 ) فصّلت 41 : 11 .